سأعود

Publié le par Campus-j

قصّتي قصّة وطن حَلمَ في يومٍ من الأيام أن يعيش بسلام. قصّتي ممزوجة بالحيرة والمشقّات. قصّتي مجبولة بالخوف من الانحدار بعد يومٍ أنعمت عليه الشمس بالطمأنينة والدفء. قصّتي حياتي، وحياتي مليئة بالتساؤلات. أيّامي يجتاحها التردّد حين يتضارب العقل والقلب. عشتُ سنينَ أقمعُ القلبَ وأخنُقُ حبالَه الصوتيّة كي لا يشوّش نظامَ حياتي العصرية الّتي فيها أدّعي أنّي لا أحتاج إلى جذوري كَي أعيشَ بسلام. أيُّ سلامٍ وأنا أتخبّط في بحر من الألم الممزوج بالحزن والضياع، وحتّى لو جرفتْني المياهُ إلى الشاطئ لن تتغيّر حالتي لأنّ الرمال نفسها مجبولة بالوجع. قصّتي قصّة كلّ وطن، و قصّة كلّ زهرةٍ، و حياة كلّ نجمةٍ لا تدرك ما الشمس دون اختبار غيابها، ولا تعي جمال القمر سوى في كنف.

أردتُ مالاً فهجرتُ المكانَ الذي أذاقني طعمَ الفقر ولكنّ جرح الجوع لا يزال محفوراً في ذاكرتي. تركتُ البيتَ الذي خدشَتْ أحجارُه يداي فزالت الخدشات ولكن أين أذهب بيَداي اللتين ترافقاني في كلّ لحظة؟ هاجرتُ باحثاً عن طعم الأمان فقتَلَتْ برودةُ الأمان دفءَ الإنتماء. أطفالي يكبرون و هم أيتام لأنّهم لم يحظوا بحنان وطنهم الأم. لم يجلسوا جلسة عائلية تجمع الشمل وتختصر حوار الأجيال. لم يعاشروا أبناء وطنهم. كبروا وهم يفتقدون للانتماء. أوَتستطيع أموالُ الدنيا كلها شراء جرعة إنتماء؟ هل من قوّة قادرة على نزع جذور إنسان من مكانها؟ تدورُ كلّ هذه الأفكار في رأسي فترميني في دوّامة من الأسف و الحزن والشعور بالذنب والحيرة والندم ثم الندم.

ولكن أكان أمامي خياراً ؟ هذه الحرب تقتلُ الخيارات تحت شعار الخيارات. وتغتصبُ الحريّة باسم الحرية. أيّ طبيب يستطيع أن ينتشلني من جراحي، من كومة اليأس، من ضربات المدافع التي يدوّي صوتها في كلّ مكان ويردّدها الوادي على مسمع الصغار فتشوّه قسوةُ الكبار فرحَهم الذي لا يُثمّن؟ وتأتي الأخبار، من هنا ومن هناك عن ربّ عائلة قُتل أو طفل رضيع مات ضحيّة الكبار وتسمع أذناي الأرضَ تصرخُ: '' كفى ديمقراطية، كفى فلتاناً، كفى شدّ حبال. أحشائي لم تعد تتحمّل تجريحاً. توصّلوا إلى حلّ قبل أن أضع كلّ جهدي في الاستسلام الكلّي، الراحة الحقيقيّة. أفضّل أن أختار الموت لنفسي لأنّي لم أعُدْ أحتمل أن أرى أولادي يسقونني من دماء بعضهم البعض فيخنقون أنفاسي ويقضون عليَّ أوّلاً ثمّ على أنفسهم ''...

على قدر ما أحنّ الى وطني، على قدر ما أخاف من رؤية الحجارة التي شهدَتْ على آلامي. ولكنّي أدرك في أعماق نفسي أنّ جرحي لا ترطّبه سوى ماءُ النهر حيث جرت أصواتُ المعذّبين وذاب صراخ المظلومين. هكذا هي الحياة ترينا أجمل ما لديها في صلب القبح، فنركز قوّتنا من صميم ضعفنا ونحارب بكلّ ما لدينا من أمل لنصل إلى فسحة الأمل. أدرك في أعماق نفسي انّني أنتظر بفارغ الصبر إنقاذَ أولادي من جفاف الغربة ومن محوِ الهويّة. فمَن غيري قادرٌ على إنهاض الوطن ومداواة جرحه؟

سأعودُ يوماً ما إلى مسقط رأسي، إلى مسقط أفكاري، ومسقط قلبي.. سأعود !

حتماً سأعود، يوماً ما...

سأعود.

ريم طنوس، طالبة في كلية الطب.

سأعود

Publié dans Numéro 4, Tribune

Commenter cet article