...لم تنم متاحف بيروت في تلك الليلة

Publié le par Campus-j

أطفال وكبار يسيرون بإتجاه واحد. ضحكات حماس وتعليقات إيجابية في كل مكان.. هذا ما كانت عليه شوارع مدينتنا يوم الجمعة 27 آذار. وضَعنا كل أشغالنا جانباً وتجاهلنا مشاغلنا لنكون جزءاً من هذا الحدث.

للعام الثاني على التوالي، أطلق وزير الثقافة، في إختتام شهر الفرنكوفونية، وبالتعاون مع 10 متاحف ضمن بيروت وخارجها أيضاً، ليلة المتاحف.

سحر في شوارع مدينتنا

لم يكن الحدث ذات طابع سياسي هذه المرة فهو ثقافي بإمتياز. في طريقي من جامعتي (جامعة القديس يوسف) إلى المتحف الوطني رأيت مشهداً ما عهدته من قبل ولكم طال انتظارنا له. رأيت أشخاصاً متعطشة للثقافة، متلهفة لإسترجاع هويتها وتاريخها الجميل اللذين تخشى أن تخسرهما وسط كل ما نشهده من إرهاب فكري. راحوا في هذه الليلة في رحلة بحث عن هذه الهوية خلف جدران وتماثيل المتاحف التي شرعت أبوابها لهم جميعاً حتى ساعة متأخرة من الليل.

ما إن تصل إلى المتحف الوطني في بيروت حتى يزداد المشهد سحراً. تبهرك الأضواء والرسومات الثلاثية الأبعاد التي اعتلت جدران المتحف لتأخذك في جولة في التاريخ الفينيقي وتعيدك منه إلى الزمان والمكان اللذين يضجان بالثقافة والحضارة. تهافت الجميع على الحافلات التي خصصت لنقل الزوار بين المتاحف المشاركة ضمن بيروت. الكل أراد أن يحجز مكاناً له كي لا يفوت جولة من العمر. فكان المتحف الوطني نقطة الإنطلاق إلى كافة المتاحف المشاركة في بيروت.

المتاحف المشاركة

شاركت عشرة متاحف في النشاط خبأت كلها فناً وتاريخاً عريقين خلف أبوابها. ضم النشاط المتاحف التالية: المتحف الوطني في بيروت، متحف ميم في "جامعة القديس يوسف"، متحف ما قبل التاريخ في "جامعة القديس يوسف"، متحف الآثار في "الجامعة الأميركية في بيروت"، متحف العملات في "مصرف لبنان"، متحف "دبانة" في صيدا، متحف كاثوليكوسية كيليكيا للأرمن الأرثوذكس في انطلياس، متحف الأرمن الكاثوليك في دير سيدة بزمار في كسروان و متحف الإثنوغرافيا في "جامعة البلمند".

المتاحف انتظرتنا

هي المرة الأولى التي لا تقفل فيها المتاحف أبوابها بإحكام عند حلول المساء. فلطالما أخفت تماثيلها وأحجارها الكريمة وليراتها وفسيفسائها عن عيون الزئرين ليلاً إلا أنها في هذه الليلة بالذات قررت أن تفشي سرها للجميع وأن تتقاسم جمال قاطنيها ليلاً معهم.

خلقت هذه التظاهرة الثقافية جواً حلواً في شوارع المدينة وبين أهلها وزائريها. فأصبح الجميع يتبادل الأحاديث ويتشاركون التجربة وروعة الأماكن معاً. فتسمع شخصين إلتقيا لتوهما يتناقشان حول تمثال معين أو مجموعة من الطلاب تقرر استكمال ما تبقى من جولتها معاً. فهنا يكتشف أهل الثقافة الروابط التي تجمعهم.

لم يكن النشاط حكراً على فئة دون غيرها. فترى أطفالاً وكباراً، لبنانيين وسائحين وأشخاصاً ذات إهتمامات مختلفة. الأمر الذي يؤكد أن هذا النوع من النشاطات وهذا النوع من الأماكن يلقى اهتمام شريحة كبيرة من المجتمع وهو بحاجة فقط إلى تسليط الضوء عليه بين الحين والآخر. ففي مجتمع ومنطقة وعالم بشكل عام تطارده المخاطر قد يغض المرء النظر عن تخصيص وقت للنشاطات الثقافية.

متاحفنا جزء من هويتنا

في ظل كل ما تشهده هويتنا وانتماؤنا من تشويه، تبرز حاجة ماسة إلى تلميع هذه الصورة وإظهار حقيقتها. تساهم النشاطات الثقافية مثل "ليلة المتاحف"، في ترسيم الصورة الحقيقية للبنان أمام اللبنانيين أنفسهم والسائحين كذلك.

من خلال هذا النشاط حظي الجميع بفرصة زيارة المتاحف واكتشاف بعضها لأول مرة، إذ انها فتحت أبوابها في وقت يناسب الطلاب والعمال وكل الفئات. إضافة إلى ذلك، سلطت هذه المبادرة الضوء على متاحف كانت قد افتقدت زوارها منذ زمن طويل ولم تجد من يسأل عنها أو عن صيانتها وحمايتها منذ سنين.

من هنا تأتي أهمية هذا النشاط أيضاً في التذكير بالدور الفعال التي تلعبه المتاحف بشكل خاص والمعالم السياحية بشكل عام في ترسيم هوية حضارية وثقافية للبلدان. إذ غالباً ما تحتضن عناصر أساسية من تاريخ وطننا والعصور الغابرة التي مرّت به وتحافظ عليها.

وهنا أيضاً يطرح السؤال نفسه للمرة المئة: لماذا لا تولى هذه المتاحف إهتماماً أكبر ولماذا لا نحرص على صيانتها بشكل دوري. فحبذا لو يتم تخصيص مكان لها في إعلامنا بدلاً من المواد السخيفة التي تعرضها القنوات ولا تساهم إلا في تخريب عقولنا.

يقول الكاتب السوري حسن م يوسف: " الشعب الذي ينسى تاريخه، تنساه الجغرافيا" وتاريخنا حاضر وحي داخل متاحفنا ومعالمنا السياحية. دعونا لا نختفي عن خريطة العالم ونذكر الجغرافيا بنا دوماً. فلنبقى حاضرين بثقافتنا وتراثنا وحضارتنا لا بطائفيتنا وخلافاتنا. قد تكون المشاكل كثيرة في مجتمعنا ووطننا لكن مادام ما يجمعنا موجود فلنقدره ونحميه ونبني عليه مستقبلنا.

يارا حمادة، طالبة في الإعلام والتوال.

...لم تنم متاحف بيروت في تلك الليلة

Publié dans Actualités, Numéro 4

Commenter cet article