ربيعٌ بلا أزهار

Publié le par Campus-j

مع كلّ صباحٍ ينعم به البعض بالسّلام والحريّة، تغيب شمسٌ عن آخرين لتختفي معها إنسانيّة ضاعت في ظلام الحروب والقتل. تقف العيون باكية والأفواه صامتة أمام ما يحصل بشعوبٍ ذنبها الوحيد أنّها عاشت في بلادها. فرضت عليها مخلوقات، أُشبعت عقولها طائفيّة شيطانيّة، شريعة تجد في من لا يتبعها عدوّاً لإله لا يرحم، يقتل ويعدم، فأيّ إلهٍ هذا؟

لم يعد السؤال الذي يدور في بالي عن دين هؤلاء أو أصلهم أو لونهم بل عن انتمائهم الإنساني.

منذ القدم سعى الإنسان للسيطرة على كلّ ما يسعده. ثم طمع بأملاك الآخر، فكانت الحروب حيث مات كثيرون ظلمًا وبدون رحمة. لكنّه مع الوقت بدأ يشعر بأن الحروب البشرية خسارة له، فاستبدلها بالحروب الإقتصادية وسعى للسلام العالمي. في هذا المفهوم الجديد للعلاقات الدولية، تحول العالم من ساحة حروب وصراعات إلى مكان لتبادل الثقافات خاصّةً مع تطور وسائل التواصل بشكلٍ سريع.

إنّ هذا التوجّه رسم نظرة جديدة للعالم، وأصبحت الحروب، عند حدوثها، حالة شاذّة يسعى الجميع لإنهائها في أسرع وقت ممكن. مع كلّ ذلك، بقيت مجموعات متعدّدة تحاول خرق القاعدة الجديدة، لعدم إدراكها أهميّة الإنفتاح العالمي، ودعيت بالارهاب. إذ تشكّل الإرهاب من أشخاصٍ يتشاركون الفكر الإنغلاقي نفسه، بتمويل دولي سرّي، دعمًا للمعركة الإقتصاديّة. ومرّ الإرهاب بمراحل عديدة، آخرها الإنقلاب على من يموّله، بعد أن أصبح له مصدره التمويلي الخاص، أي النفط، في الأراضي التي احتلّها. فوجد نفسه محرّرًا من القيد الدولي والضوابط الإنسانيّة، ممّا حوّل المنتسبين إليه إلى وحوشٍ نتفاجئ كلّ يوم بما يسمح لهم "ضميرهم" بالإرتكاب.

لن أتكلم عن جرائم هؤلاء بل عن أسبابها، فالكلّ يعلم كم هي بشعة ومنحرفة إذ تنتشر بسرعة على مواقع التواصل الإجتماعي ثمّ تتنافس محطات التلفزة على عرضها والمتاجرة بها. تغطية إعلاميّة شاملة للجرائم الإنسانية يقابلها صمتٌ دولي وغياب لقاعدة السلام التي يبدو لي، للأسف، أنّها لا تشمل الشّعوب الفقيرة.

بالعودة إلى الأسباب، نتساءل كيف يمكن لمواطن كان يحترم قوانين بلاده أن يتحوّل إلى كائن خارج عن الطبيعة الإنسانيّة. إنّ الجواب بالنسبة لي يكمن في الحالة النفسيّة التي وجدت عند هؤلاء في ظلّ أنظمة كانت قاصية في معاملتهم وظالمة في كبتها للحريّات. مع الوقت تطوّرت هذه الحالة النفسيّة، وتحوّلت إلى ما يمكن تسميته بالكره العميق للدولة والرغبة الكبيرة في إبادة كل ما يتعلق بها من أرضٍ وشعبٍ وتراث. بدأت الثورات العربية، وضعفت الأنظمة، وبقي هؤلاء يراقبون الثغرات التي تتشكل في بلادهم وينتظرون اللحظة المناسبة للإنتقام. كثُرت الأسلحة في يدهم وتحوّلوا من ضعفاء مكسوري الرّأس إلى وحوشٍ تقطع الرّأس، وأصبح كل من أراد أن يتمتع بالعظمة المزيفة، تابعاً لدولتهم، دولة الغاب حيث يموت المظلوم ويحيا الظالم.

فادي فرح، كليّة الطب

ربيعٌ بلا أزهار

Publié dans Culture, Numéro 4

Commenter cet article