فالج وعالج

Publié le par Campus-j

"الشعب يريد إسقاط النظام" ؟ ما يجب القيام به هو "تطوير" النظام الذي لا يتحقق إلا عبر قيام اللامركزية الإدارية، فما هي؟

اللامركزية الإدارية هي مفهوم دولة بأكملها. مفهوم ليس بجديد، فالدولة الإتحادية التي تعتمد على اللامركزية تمت تجربتها في سويسرا، الإمارات العربية، فنلندا، النمسا، بلجيكا، كندا، ألمانيا، روسيا، الولايات المتحدة. هي كلها دول ذات تعددية كبيرة و عاشت أزمات وصراعات وحروب ولكنها تمكنت من الصعود إلى مفهوم الدولة الناجحة عبر إعتماد نظام يدير التعددية ويحافظ على الوحدة في نفس الوقت.

اللامركزية الإدارية ورد ذكرها في إتفاق الطائف الذي أعلن ختام الحرب الأهلية اللبنانية، ولكن تنفيذ بنود الإتفاق لم يتم بشكل كامل و تم تجاهل هذا المفهوم الذي ظهر في ما بعد بشكل لم يؤدي إلى نتيجة فعالة من خلال إقتراح قانون عام 1995 ثم عام 1997. اللامركزية الإدارية تحترم التنوع في المجتمع وتجعل من هذا التنوع نواة لوحدة الدولة بحدودها الجغرافية ويجب التشديد على أن اللامركزية الإدارية ليست الفدرالية التقسيمية، إذاً الخوف المستمر من زوال الدولة المركزية يجب أن يختفي لأنه يمنع لبنان من التطور والوصول إلى الإنماء المتوازن والخروج من إدارة اثبتت فشلها.  

أولى مبادئ هذا النظام تقضي بوجود مجالس محلية منتخبة تتمتع بإستقلال إداري و مالي لكل مجلس و يمكن تقسيمها حسب المجالس البلدية و الأقضية. الحكومة اللبنانية تعمل على تأمين الخدمات التي ليست ضمن إختصاص المجالس إذ تتكفل المجالس بالأمور الأساسية الحياتية مما يشكل ضمانات للمواطن، في حال وجود تعطيل للحكومة، لعدم المساس بالخدمات اليومية المتوفرة له. (إذاً لا وجود لأزمة نفايات مثلاً) 
ادارات الدولة يجب أن تكون متواجدة في كل الأقضية لتلبية حاجات المواطن التي لا تدخل ضمن نطاق الإدارة المحلية. كما يجب العمل الدائم للوصول إلى حكومة إلكترونية من خلال عمل وتأهيل تدريجي. 

اللامركزية الإدارية يمكن أن تتمحور حول تقسيم الأقضية كدوائر إنتخابية كما يمكن إعتماد صيغ أخرى بديلة. إذاً الإنتخابات في كل قضاء ينتج عنها هيئة خاصة بهذا القضاء. بهذه الطريقة يصبح وصول العنصر النسائي أسهل علماً بأن النظام المركزي الحالي فاشل كلياً في دعم وصول المرأة إلى السلطة. بعد إنتخاب الهيئة يتم إنتخاب مجلس إدارة مع رئيس ونائب رئيس على أساس نظام نسبي و يتم مراقبة حسابات أموال كل الأعضاء لضمان مكافحة الفساد. يمكن للهيئة العامة أن تسحب الثقة من مجلس الإدارة في حال فشل في خدمة المواطنين و كل قراراته تتم إما عبر التصويت أو عبر التوافق .  هذا المجلس مهمته أن يكون السلطة التنفيذية المباشرة لكل مشروع ذي منفعة ضمن نطاق القضاء، فهو يعد مشروع الموازنة ويضع استراتيجيات التنمية، يحرص على تطوير البنى التحتية (السدود، البحيرات، الأنهر) وإنتاج الطاقة، المشاريع الخدماتية والإنمائية، حماية البيئة بالتنسيق مع البلديات، تنظيم النقل العام وإقامة جهاز للسلامة المرورية ضمن القضاء، التنمية السياحية والثقافية، إقامة خطط لمواجهة الكوارث الطبيعية وإعداد طرق إخلاء طارئة، إعداد الطرق وصيانتها وتوسيعها، إنشاء الملاعب والمجمعات الثقافية، وغيرها. ينبغي على مجلس الإدارة أيضاً دراسة كل مشروع إنشاء مدارس وجامعات خاصة أو رسمية، مستشفيات أو مستوصفات، سجون، شبكات صرف صحي ومحطات تكرير ومنشآت معالجة النفايات .بالنسبة لمدينة بيروت، لها هيئة عامة و مجلس خاص يدير شؤونها وهو يقوم بنفس مهمات مجالس باقي الأقضية ولكنه يحل هنا مكان البلدية مثلما يحل مجلس القضاء مكان القائمقامية.

هناك جهاز أمن في كل قضاء وهو عبارة عن شرطة مسلحة تلتزم تنظيم السير، قمع المخالفات، الحراسة، حفظ الأمن، إجراء التحقيقات الأولية بالجرائم، التنسيق مع شرطة البلديات كما يمكنها طلب المؤازرة من قبل القوى الأمنية. إن تأهيل عناصر الشرطة في كل قضاء يساعد على خفض معدل الجرائم كما حصل في سويسرا حيث أن هذه العناصر الشرعية المدربة جاهزة للتصدي لأي إخلال بالأمن وهي قادرة على تلبية النداء بسرعة أكبر من القوى الأمنية الموزعة على كل نطاق البلد .

من أين تأتي واردات القضاء؟ هي مجموعة العائدات من الضريبة على الأملاك، الرسوم، ايرادات أملاك القضاء، مداخيل المشاريع المستثمرة، علاوة إشتراك المياه والكهرباء والهاتف، المساعدات والهبات، الغرامات وغيرها. توضع جميعها في صندوق يحركه رئيس مجلس الإدارة الذي يخضع للمراقبة والمحاسبة التي أصبحت سهلة كون النطاق أصبح ضيقاً مما يساعد على مكافحة الفساد بفعالية أكثر بعيداً عن تجاذبات السلطة السياسية
على سبيل المثال، كل مشروع يحمل طابع خدماتي أو أشغال تزيد نفقتها عن المليار ليرة (فرضياً) يخضع لرقابة ديوان المحاسبة، كما تتم مراقبة وتدقيق حسابات المجلس من قبل مكتب تدقيق حسابات الذي يرفع تقرير كل فترة إلى الهيئة العامة للقضاء. يمكن تخصيص جزء من العائدات نحو صندوق لامركزي مشترك بين الأقضية يشرف عليه مجلس أمناء و يمكن إستعماله لكفالة القروض بين الأقضية

إذاً، نرى أن اللامركزية الإدارية تخلق حكومات صغيرة فعالة ضمن نطاق الدولة وهذا الأمر يساعد على تحفيز الأداء الإداري كون محاسبة المجلس المنتخب أصبحت أسهل من قبل المواطنين، كما يساعد هذا النظام على قيام إنماء متوازن و خلق نخب إجتماعية بسبب غياب المناطق المحرومة، فأبعد المناطق وأصغرها أصبح لها مجالس تهتم بانمائها. أمر آخر مهم وهو تعزيز الشراكة بين القطاع العام والخاص كون التواصل مع القطاع العام أصبح فعالاً مما سيدفع بالقطاع الخاص للغوص في المزيد من الإستثمارات وخلق فرص عمل

في الخلاصة، اللامركزية الإدارية هي الحل الوحيد الذي يمكن أن ينتشل لبنان من بؤرة فشل النظام المركزي. هي مشروع متكامل تحدث عنه العديد من النواب والوزراء ولكنه لم يلق آذاناً صاغية لأن رؤوس الدولة الفاسدة راضية بالدولة الحالية التي تسهل سرقة أموال الشعب والإستئثار بالسلطة ولا يمكن مواجهة هذا الواقع إلا عبر نشر مفهوم الدولة الناجحة اللامركزية كي تصبح مطلب شعبي، فلبنان وطننا ولا ينطبق عليه مثل "فالج لا تعالج"، إذا كان الفالج موجود فهذا هو العلاج الوحيد.
.Christian Mouawad,FM

فالج وعالج

Commenter cet article