بين الراهبة والنحلة

Publié le par Campus-j

بين الراهبة والنحلة

"كوني كالنحلة!"، عِبارة سَمِعتُها مرّاتٍ عديدة منذُ يوم دُخولي الدير.

آنذاك، لَم أكن أَعرِف إلّا شيئًا واحدًا عن النحل ألا وهو أنّ النحل يلسَع، وأنّ لسعتهُ جدُّ مؤلِمة، وكنت دائمًا أتساءل إن كان من الصواب أن أتصرّف أو أكون مثل النحلة...

أمضيتُ سنين في حيرة دائمة، مُتسائِلةً: "ما العلاقة بين النّحلة والراهبة؟"، إلى أن جاء يومٌ وقرّرتُ أن أربّي بعضَ قُفرانَ النحل، لأتعرّف عن كثَب إلى هذا العالَم الجديد.

آه كم كانت دهشتي كبيرة آن بدأتُ ألاحِظ أوجُه الشَبَه العديدة بين النحلة والراهبة، بين عالَم النحل وعالم المكرّسين، بين القفير والدير...

إنّهُ عالَمٌ غريب! عالمٌ عجيب! عالَمٌ يستحقّ أن نَسبُرَ غورهُ إلى أبعدِ مدى!

لخليّةِ النحل ودير الراهبات تاريخٌ عريق. إنّ نَمَط حياة الراهبة يتشابَهُ إلى حدٍّ كبير مع نَمَط حياة النَّحلة، وذلك من عدّة نواحي...

إنّ نذورنا الرهبانيّة ثلاث بحسب قوانيننا الرهبانيّة: العفّة والطاعة والفقر.

هذه النذور هي فعل عطاء كامِل، كذلك هي النذور في عالم النحل.

فالنحلة هي رمز الشعب المُطيع، وهذا ما يؤكّده القول المأثور "ألنحلة تَعمَل ولا تَعتَرِض أَبَدًا"، فهي الوحيدة من بين كلّ الحشرات لَهَا مَلِكة تُطيعُها بكلِّ احترامٍ ووقار، حيث تتمّم العَمَل الموكَل إليها على أكمل وجه. كذلك تبقى النحلة بتول طوال عمرها، متمِّمةً بذلك نذر العفّة، موجّهةً قوى المحبّة نحو جماعَتِها وجماعَة الإنسان أيضًا، حيث تترك لهُ قسطًا وافِرًا من العَسَل. تَعيشُ النحلة أيضًا نذرَ الفقر بامتياز، غير محتفِظةٍ بشيءٍ لنفسها، إنّما تَعمَل بجدٍّ وكدّ في سبيل خير الجماعة، فهي تعطي أكثر ممّا تأخذ، وعملها هو غير أناني. هي لا تبحث قطّ عن مصلحتها الشخصيّة، إنّما عن مصلحة الجماعة.

تمامًا كما أنّهُ لكلِّ دير رئيسة، كذلك لكلّ قَفير ملكة، وتَمامًا كما أنّ رئيسة الدير تتبدّل كلّ ثلاث سنوات، كذلك مَلِكَة القَفير تتبدّل أيضًا كلّ ثلاث سنوات، فيَنتَخِب النّحل مَلِكَة جديدة مُفعَمَة بالنشاطِ والحيويّة، وتمامًا كما أنّ الحياة الديريّة الناجحة هي رهنٌ بشخص الرئيسة وحسن تدبيرها، كذلك القفير القويّ والناجِح هو الذي يَحتوي ملكة قويّة، ذات قُدرات، وهي تمامًا كرئيسة الدير، تعلم أنّ الإدارة ليست عَملًا فرديًا، فملِكة القَفير تَعرِفُ أنّ رئاستها على القفير ليست للإفتِخار، إنّما هي عملٌ جماعيٌ ومشاركة فعّالة في الخدمة والمسؤوليّة، بالتالي هي المسؤولة الأولى لإدارة القفير بأكملِه.

النحلة تُعتَبَر قائدًا روحيًا بامتياز، هي كائن "يُخلي ذاتَهُ" في سبيل خِدمة وخير وازدهار الجماعة. داخِل القفير لا أنانيّة ولا حبُّ ذات، إنّما حياة جماعيّة مُشتَرَكة، غالباً ما قد يَصِل عَدَد النحل إلى الستّين ألف نحلة، وعلى رغم "الاكتظاظ النحليّ"، يَعيش النحل حياة جماعيّة جدُّ منظّمة، تَفوقُ حياتنا الرهبانيّة بأشواط!

فالجميع متساوٍ ويشكّل وحدة لا تتجزّأ. تعلّمنا النَّحلة بمَثَلِها الصالِح أن نُلغي "الأنا" من قاموس حياتِنا، وأن نَعمَل معًا لِنَنجَح معًا.

العَمَل في الحياة الرهبانيّة هو ورشةٌ مستمرّة، فهدوء الدير لا يَعني إطلاقًا البطالة، كذلك القَفير هو ورشَةُ عَمَل دائمة ومُتواصِلة، تتوزّع فيه الوظائِف بعَدلٍ على جيش الشغّالات داخِل وخارِج القَفير.

أمّا في الحديث عن النظام الداخلي للدير، فهناك احترام كبير للوقت، حيث لا يحبّذ الخروج متأخّرًا في الّليل إلّا عند الضرورة، فبالنسبة للحصن الديري، فهو قد وُجِدَ لسلامة الجوّ الرهباني وحرمة الدير والساكنين فيه من اجتياحٍ خارجي.

كذلك نظام النحل، فالنحل يدخل حصنه باكرًا قبل سقوط الظلام، وتَعمل نحلات الدفاع على مُطاردة أي غريب يَدخل القفير فتتمم النظام بكلِّ دقّة.

الشيطان يَعمَلُ على اضطهاد الإنسان السائر في طريق الخلاص، وبما أنّ الراهبة هي إبنة الكنيسة التي تَعيش الوفاء وتَعمَلُ الصالِحات، يَعمَلُ الشرّير، الذي يَكرهُ كلّ عَملٍ صالِح، جاهدًا ليضطهدها، لذا عليها أن تُجاهِد وتُناضِل لتقهر الشرّ، إذ أنّ قدرة الله أكبر. كذلك النحل في القَفير هو مُحاربٌ جِدًا بسبب أَعمالِهِ الحلوة (العَسَل)، فالقَفير مُعرّض لغزوات الدِبَب والفِئران والدبّور والزراقِط والطيور والعديد من الحَشرات والحيوانات التي تجرّب بشتّى الطُرُق أن تَسلُبَ الخيرَ الذي صَنَعهُ النّحل بأتعابِهِ وكدّه وتَضحِياتِه، لكنّ نحل الدفاع يَعمَلُ جاهِدًا للتغلّب على كلّ الصعاب، والانتصار على كلّ التجارِب.

إنّ عالَم النحل هو مدرسة تعلّمنا التعاون والشراكة والمحبّة والتضحية والنشاط والتواصُل والاحترام والديمقراطيّة والفرح...

يعلّمنا النّحل أن لا شيء مستَحيل، فالنحلة، على الرغم من رقّة وصغر جوانحها، تستطيع أن تطير، وهذا ما يشجعّنا أن لا نيأس في حياتنا الرهبانيّة، بل أن نكون مفعَمين بالأمَل الذي يولِّد النجاح.

تعلّمنا النّحلة أنّ الراحة ضروريّة بعد العناء والتعب، فإذا كنّا منهمكين ومُتعَبين من أعمالِنا، علينا أن نتذكّر حلاوة الحياة كما تَفعَلُ النحلة آنَ تتمتّع بطعم العسل الذي أنهَكَ قِواها لِتَجمَعَهُ.

فإذا كانت النّحلة تتمتّع بكلّ هذه الصفات الرهبانيّة، فكم بالحري علينا نحنُ المكرّسون أن نحذو حذوها، ونسير سَيرَها، في سبيل عيش حياة رهبانيّة أرقى!

Sr. Léa Lahoud - ISSR

Publié dans Perspectives

Commenter cet article